ما كان لعبد الله العروي أن يكتب مفهوم العقل ، سقطة كبيرة من مؤرخ كبير   

محمد ابلاغ – العالم 24

 

تحدثت على هامش إحدى الندوات مع مؤرخ الرياضيات الكبير رشدي راشد عن تكوين العقل العربي للجابري، وذلك بسبب الاهتمام الكبير الذي حظي به هذا الكتاب في العالم العربي والذي وصلت أصداءه إلى مختلف جامعات العالم. فأجابني إجابة وجيزة ولكنها دقيقة جدا، فقال لي أي عقل؟ وسكت.

وبالفعل لا يمكن أن نتحدث حديثا كليا عن العقل، وذلك لتنوع كيفية اشتغاله وفقا لطبيعة الموضوع الذي قد يكون من طبيعة ميثولوجية أو فلسفية أو علمية أو ثيولوجية أو وجدانية وهذه الطريقة الأخيرة كثيرا ما نغفلها. اما الحديث العام عن العقل، فيسقط المرء في عموميات لا تستقيم مع التكوين الأكاديمي الذي يفترض بالضرورة أن يكون كلاما دقيقا، فهذا أهم ما نتعلمه في الجامعة.

نعم هناك مآخذ كثيرة على طرح محمد عابد الجابري، ولكن ربما بفضل تكوينه الفلسفي، لم يسقط في المزالق التي سقط فيها عبد الله العروي، الجابري على الأقل ميز فيما أسماه “بالعقل العربي” العقل وفقا لآليات اشتغاله، فميز فيه بين ثلاثة أنظمة فكرية: البيان والعرفان والبرهان، وفي كل واحد من هذه الأنظمة العقل يشتغل بآليات تكون من صميم موضوع الاشتغال نفسه. أما العروي فبالنسبة له ” الثقافة الإسلامية هي ثقافة نص، والفعالية العقلية تبدأ وتنتهي عند هذا النص”، والغريب في الأمر أنه يدمج حتى علوم التعاليم في هذا التصور. والسؤال المطروح هنا هل يمكن اعتبار الجبر والمقابلة ثقافة نص وهو الدامج لتقليدين علميين عريقين هندي ويوناني، أو ان نعتبر بناء علم على علم آخر كبناء حساب المثلثات على الهندسة وعلم الفلك ثقافة نص، وغيرها كثير اللهم إلا أن كان عبد الله العروي من أنصار ابن تيمية الذي اعتبر أن كل ما هو عقلي فهو يوناني وكل ما هي شرعي إسلامي، وهو فهم قاصر للحضارة العربية الإسلامية ودورها ليس فقط على مستوى الدول الإسلامية بل على مستوى الفكر العالمي.

أما ثقافة النص فليست خاصية إسلامية بل هي خاصية استمرت إلى حدود الثورة الفلسفية والعلمية الحديثة للقرن 17م. فطريقة تعليم الفلسفة في المرحلة الهلستينية كانت تعتمد على النص، وذلك بأن يقرأ أحد الطلاب فقرة من أرسطو أو أفلاطون ويقوم الشيخ بشرحها. لذلك لا يمكن التعميم والقول بأن الثقافة الإسلامية ثقافة نص هكذا بدون تخصيص المجالات التي هي فعلا كذلك.

كل حديث دقيق عن العقل الآن هو حديث عن كيفية الاشتغال في مجال أو مجالات متعددة، سواء أكانت بالجملة تحليلا أو تركيبا أو دمجا بينهما، اما التعميم الذي سقط فيه العروي فمخل بطبيعة القول العلمي المتطلب للدقة في القول.

أما القول الكلي عن العقل فسيكون ممكنا عندما يتمكن العلماء من فهم طريقة اشتغال العقل بشكل كامل وتام، وهو ما لا أتمناه لأنه سيكون مؤشرا على نهاية الانسان نفسه.

جريدة إلكترونية مغربية

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...