هل تؤسّس “منظمة الدول التركية” لطلاق بين أنقرة وموسكو؟

قبل نحو أسبوعين، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من مدينة إسطنبول، تحويل “المجلس التركي” الذي يضم الدول الناطقة باللغة التركية، إلى “منظمة الدول التركية”، متحدثا عن آفاق واسعة لتعزيز التعاون بين دولها.

أردوغان أكّد أنّ القادة المشاركين في القمة وافقوا على وثيقة “رؤية العالم التركي 2040” التي ترسم المنظور المستقبلي للمنظمة، معتبرا أنّ منطقة تركستان “ستعود مجددا مركزا لجذب وتنوير البشرية جمعاء”.

إذن، يمكن القول إنّ تحويل “المجلس التركي” -الذي يضم إلى جانب تركيا، كلا من: أذربيجان، وشمال قبرص، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وأوزبكستان، وتركمانستان- إلى “منظمة الدول التركية”، كان الخطوة الأولى لتنفيذ هذه الروية التي تنطلق في المبدأ من الوحدة السياسية والاقتصادية بين هذه الدول، وربّما لاحقا للوصول إلى الوحدة الثقافية والنقدية… فمن يدري؟

 

فالهدف من قيام هذه المنظمة مثلما يظهر، هو محاولة مأسسة التعاون بين الدول الأعضاء في قضايا مثل السياسة الخارجية والاقتصاد والتعليم، وكذلك الإعلام والسياحة والجمارك… وخلافها من المواضيع. وإضافة إلى ذلك، فإنّ المنظمة تضع نصب أعينها هدفَ تعميق العلاقات في ما بين دولها، وتوسيع التعاون مع العالم الإسلامي، وكذلك مع دول الشرق الأوسط والمنطقة الأوراسية ودول القوقاز.

 

ومن أدوارها أيضا، دعم مبادرات مهمة في نظر دولها مثل التبادل الطلابي والأكاديمي وزيادة الإمكانيات الاقتصادية والسياحية، من خلال مشروع طريق الحرير الذي يتقاطع مع الدور الصيني المستجدّ الذي تتوجس منه الولايات المتحدة وتدعو إلى تطويقه من خلال محاصرة الصين.

 

إذ يكفي التذكير بأنّ الناتج المحلي الإجمالي لـ”منظمة الدول التركية” هو قرابة 3.8 تريليونات دولار، وأنّ حجم التجارة المتبادلة بين دولها هو نحو 20 مليار دولار، ومساهمة الاستثمار الأجنبي فيها بإجمالي 460 مليار دولار، حتى نعرف مدى أهمية هذه المنظمة الاقتصادية.

 

كما أنّ لدول هذه المنظمة دورا كبيرا في السياسة الدولية، وذلك من خلال موارد الطاقة التي تمتلكها، واقتصادياتها الكبرى النامية، وعدد سكانها المتميزين بالدينامية والإصرار، فضلا عن المواقع الإستراتيجية التي تمتلكها وقدراتها التي تنمو سريعا في المجالات العسكرية والدفاعية.

 

خلفية هذه المنظمة تعود في جذورها إلى “حلم” تأسيس ما يطلق عليه نواب حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم: “تركيا الكبرى”. هذا المصطلح يعود في جذوره إلى القرن الحادي عشر، وتحديدا إلى حقبة الحروب بين السلاجقة والإمبراطورية الرومانية.

 

أما مقومات بروز هذه المنظمة اليوم، فهي بالدرجة الأولى: الفائض في حجم النفوذ التركي المستجدّ منذ سنوات، الذي بات أكبر بكثير من الحدود التركية لتكتفي به وتحضنه. فإنّ تقدّم تركيا الصناعي والتجاري وتوسّعها الثقافي بين دول المنطقة، وخصوصا في مجال الصناعة العسكرية التي أثبتت تفوقها وفعالياتها في هذا المجال (سلاح المسيرات المستجد الذي بات يغير مفهوم الحروب التقليدية في أيامنا)، مما جعل فكرة نشوء هذه المنظمة حاجةً إستراتيجيةً ملحّة لأنقرة، وهي حقيقة لا يمكن لأحد إنكارها أو إغفالها.

في الشكل، واضح أنّ أنقرة يوم بدأت في التوسّع خارج الحدود التركية اختارت التمدّد غربا، لكنّها اصطدمت بمخاوف الاتحاد الأوروبي “الإسلامية”. منعتها دول الاتحاد من الانضمام إليه لألف سبب وسبب، فاختلقت لها الأعذار ورسمت في وجهها الخطوط الحمر وزرعت في طريقها العقبات، ومذّاك بدأ الحديث داخل تركيا عن ضرورة التوجه شرقا من أجل استكمال هذا المشروع.

 

عمّقت تركيا تحالفاتها مع دول شرق الكرة الأرضية، وخصوصا مع القطب الروسي. تعاونت مع موسكو في مجالات كثيرة وخصوصا في المجالين العسكري والاقتصادي. وبنت تفاهمات سياسية مع دولة القياصرة في سوريا وغيرها، وعقدت معها الصفقات العسكرية (صواريخ إس-400 “S-400”).

لكنّ المستجدّ اليوم، هو أن هذه المنظمة بدأت تثير مخاوف كثير من دول الشرق، وخصوصا مخاوف روسيا حليفة تركيا وقبلتها المشرقية. تعتبر موسكو اليوم أنّ هذه المنظمة “تغذي الشعور القومي التركي” -واستطرادا “الشعور الإسلامي”- في دول الاتحاد السوفياتي السابق التي تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار فيها.

تتوجس روسيا من البعثات الأكاديمية والدينية التركية، وتعتبرها “خطرا على القومية الروسية وعلى دول القوقاز”، وتتحسّب وتحذر من انتشار منظمتي “ديانت” و”تيكا”، وما عادت تخفي ذلك، بل تجاهر في هذا الأمر بوسائل الإعلام وعلى ألسنة الصحافيين والمحللين الروس وغير الروس، وتعتبر موسكو أنّ هاتين المنظمتين “تُنمّيان الحسّ القومي التركي في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق”.

إضافة إلى هاتين المنظمتين، يبرز دور إضافيّ لمنظمة تركية خيرية غير حكومية حديثة، هي “مؤسسة الشباب التركي” التي تأسست عام 2020 في إسطنبول، بديلا عن “هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات التركية”.

 

تكشف التسريبات امتعاض موسكو منها، ومن المِنَح التعليمية التي تقدّمها لأفراد شابة مُقبلة من “منظمة الدول التركية”، وذلك لتلقي التعليم في الجامعات التركية. تعتبر موسكو أنّ هذه المنح تُخفي في طيّاتها مشاريع أخرى تصب كلهّا في خانة “دعم التطرّف”، من خلال ما تتهم أنّه “تجنيد للمهاجرين المقبلين من دول المنظمة”، وذلك كله من أجل استثمار هؤلاء “المجنّدين” في مناطق ذات أهمية جيوسياسية بالنسبة لأنقرة، وخصوصا في دول مثل سوريا وليبيا واليمن والعراق.

وعلى الرغم من عدم وجود مكتب تمثيلي رسمي لـ”مؤسسة الشباب التركي” في روسيا، فإنّ موسكو تعتبر أنّ هذه المشاريع يجري تنفيذها والعمل عليها من خلال موظفين في دول أخرى، مثل كازاخستان وأذربيجان وتركيا نفسها.

موسكو تتوجس من منظمة أبصرت النور حديثا عند تخومها، بل في أراضِ تعتبرها من ملكية الاتحاد السوفياتي السابق.. فهل تؤسس ولادة هذه المنظمة لبداية الطلاق بين موسكو وأنقرة؟ لعلّ الأيام والأحداث المستقبلية تحمل الجواب الشافي.. فلننتظر.

 

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...