هل من سبيل لاستفادة المؤسسات المغربية من البحوث الجامعية

لمادا لا يستفيد المغاربة من البحوث العلمية الجامعية

ذ.عبد لوهاب اد الحاج

جامعة عبد المالك السعدي

تطوان

على الدول النامية أن توجه البحث العلمي في اتجاه تنمية شعوبها لا في نشره بالمجلات الدولية: هذا ما توصلت إليه بعد أربعين سنة من البحث العلمي (1982-2022):
مع الأسف أن العديد من نتائج البحث العلمي التي تتوصل إليها الجامعات المغربية لا يستفيد منها المغرب ولا المغاربة. فمن خلال تجربتي داخل الجامعة، بالخصوص في الجانب المتعلق بالبحث العلمي ومن خلال المقالات التي نشرت لي في العديد من المجلات الأمريكية والأوروبية، وكذلك من خلال الطلبة الذين أطرتهم والمقالات الهائلة التي نشروها في المجلات الدولية التي تكون إلزامية لنيل الدكتوراه تبين لي أن المغرب والمغاربة لا يستفيدون من كل هذا الجهد وهذا العدد الكبير من المقالات التي تنشرها الجامعات المغربية والميزانيات الهائلة التي تصرف على التأطير والتوجيه.
كما تبين لي أن الدول الغربية بالخصوص المتقدمة منها تستفيد بشكل كبير من هذه الأبحاث التي تنشر على شكل مقالات، وذلك راجع لكونها عندما تصطدم بمشاكل وأسئلة أثناء تقدمها وتنميتها عبر بحوثها العلمية الذاتية المرتبطة بقطاعاتها المحلية، تحاول البحث عن أجوبة علمية وعملية لحل هاته المشاكل المرتبطة بها وبتنمية شعوبها والتي عجزت أن تصل إلى حلول لها عبر مراكز البحث العلمي المتوفرة لديها. وبالتالي تطرح هذه الإشكاليات على خبراء البحث العلمي داخل الجامعات في جميع أنحاء العالم عبر المجلات العلمية المعترف بها دوليا فتستفيد كثيرا من هذه الأجوبة والحلول التي يتوصل إليها العلماء وتنشر في هذه المجلات.
أما نحن في الدول غير المتقدمة، فلا نستفيد مما ينشر في المجلات العلمية المتخصصة رغم أن عددا كبيرا من الأساتذة الباحثين بجامعاتنا لهم نصيب كبير من هذه المقالات. وبالتالي لاحظت أن هناك معادلة سريالية وغير منصفة، وهي أن الدول الفقيرة تقدم خبرات كبيرة للدول المتقدمة عبر المجلات العلمية الدولية، دون الاستفادة هي نفسها من هذه المقالات المهمة والتي قد يصل أصحابها إلى إحراز جوائز دولية مثل جائزة نوبل وغيرها.
في رأيي على الدول غير المتقدمة أن توجه البحث العلمي في اتجاه تنمية شعوبها وتطوير معارفها المحلية وترقية مداركها الذاتية والبحث على ما ينفعها هي لا غيرها. وذلك عبر تطوير منتوجاتها المحلية سواء كانت فلاحية أو صناعية أو مرتبطة بعلوم البحار أو الصناعات الحربية وغيرها. فمثلا داخل المغرب علينا أن نوجه البحث العلمي اتجاه تنمية الفلاح المغربي والصانع التقليدي المغربي والبحار المغربي ونهتم بكيفية تطوير الإدارة المغربية وتحديث المقاولة المغربية والتخفيف من الفقر ووضع استراتيجيات لتصميم المدن وتنمية العالم القروي وكل ما يصب في مصلحة المغرب والمغاربة. كما علينا أن نعطي تحفيزات على كل عمل أو مقال يصب في هذا الاتجاه، فلا يعقل أن نوجه البحث العلمي داخل المغرب كي يستفيد منه غيرنا فقط.
لقد عشت حالة تسير في هذا السياق وتبين لي بوضوح كيف يمكن للبحث العلمي أن تكون له نتائج عكسية إذا استفاد منه غيرنا. ففي سنة 1993 أقيم لقاء دولي حول الرياضيات بجامعة محمد بن عبد الله بفاس، وكان الموضوع يتناول موضوع “التحليل الدالي”، وهو عبارة عن دراسة حركات مجموعة من المنحنيات والخطوط في الفضاء، وكان البحث العلمي ينصب على كيفية جمع كل هاته الخطوط في منحى واحد يكون مثاليا ويمكن تمثيل جميع المنحنيات الأخرى، وخلال اللقاء سأل أحد الباحثين السويسريين الطلبة والأساتذة المغاربة عن أصل هذا الموضوع الذي هو موضوع البحث العلمي وموضوع اللقاء، وفي الحقيقة لا الطلبة ولا الأساتذة استطاعوا أن يجيبوا عن هذا السؤال. فأجاب هذا الباحث السويسري بنفسه على هذا السؤال قائلا: إن أصل هذا الموضوع هو “الجيش الأمريكي” أو ما يطلق عليه بـ “البنتاكون الأمريكي”. حيث قبل حرب الخليج وما واكبها من عولمة وسيطرة على العالم من جديد، كان الجيش الأمريكي يقوم بتجارب للصواريخ العابرة للقارات وغيرها، وكان يحتاج هذا العلم ليحل بعض الإشكاليات التي كانت تعترضه بالخصوص فيما يتعلق بالصواريخ المضادة والتي كانت تبحث عن المنحى المثالي للصاروخ المضاد للصواريخ القادمة. وكانت ترصد هاته الإشكاليات ويحولوها إلى مشاكل تدخل في علم الرياضيات بالخصوص في “التحليل الدالي” ويقدموها لجامعات جميع دول العالم المتقدمة منها والمتخلفة على شكل أسئلة تهم البحث العلمي. ويطلب أن تنشر النتائج في المجلات الأمريكية كي يستفيد منها البنتاكون الأمريكي.
ويبدو أن عددا كبيرا من طلبتنا داخل الجامعة نشروا مقالات في مجلات دولية بالخصوص الأمريكية منها، وأصبحوا دكاترة يدرسون في الجامعات المغربية، وبعد ذلك أطروا طلبة نشروا هم أيضا مقالات عديدة في نفس الموضوع. وهاته المقالات أعطت حلولا لمشاكل معقدة جدا في مجال “التحليل الدالي”، كما أن العديد من المؤسسات الجامعية عقدت لقاءات دولية تصب في مجال البحث العلمي، والتي صرفت فيها ميزانيات كبيرة عبر السنين. لكن حظ المغرب والمغاربة من الاستفادة من نتائج هذه المقالات واللقاءات منعدم. وبالمقابل استفاد ومازال يستفيد الجيش الأمريكي من هاته الأبحاث، بهذا يمكن أن نكون ساهمنا بهذه البحوث العلمية في تدمير ذاتنا في العراق وسوريا واليمن وليبيا وغيرها. وبالتالي فالبحث العلمي إذا لم يكن مخططا له ومتواجدا ضمن استراتيجيات سُطر لها بعناية تامة مسبقا من أجل مصلحة البلاد والعباد المحليين فيمكن أن يصبح كارثة عليهم ويأتي على الأخضر واليابس.
أثناء حراك الريف الأخير، كان من أهم مطالب الريفيين بناء جامعة متكاملة بالحسيمة. وكان ومازال فعلا مطلبا شرعيا استحسنته عديد من الأطراف. لكنني كنت متخوفا أن تبنى جامعة بميزانية ضخمة لكن مع مرور الوقت يتبين أنها لا تحقق النتائج المرجوة التي كانت تطمح لها ساكنة الريف من تنمية وازدهار وايجاد مناصب شغل وغيرها. بل ربما ستفرخ لنا معطلين ومستوى هزيل وشباب غير مندمج في سوق الشغل إلى غير ذلك من النقط السوداء التي سجلت على الجامعة المغربية الأخرى.
لهذا فتحت نقاشا جادا ومسؤولا مع العديد من المسؤولين داخل الجامعة المغربية، حول نوع الجامعة التي يمكن فتحها بمنطقة الريف. وكنت جد متأكد أننا إذا خططنا لجامعة نافعة بمنطقة الريف ولم ننساق إلى اتجاه الأنماط المعدة مسبقا برنامجا وبحثا علميا وتأطيرا، وركزنا على تطوير الريف وتنميته وتحسين قدرات الفلاح المغربي الريفي والصانع المغربي الريفي وغيرها فبالتأكيد سيكون ذلك نموذجا نافعا للريف وللمغاربة بصفة عامة كما يمكن أن يكون نموذجا يحتذى به في الجهات المغربية الأخرى.
أما عدم استفادة المغاربة من نتائج البحث العلمي الذي تقدمه الجامعات المغربية فأعتبره إهانة للمغاربة بالخصوص وأن المؤسسات الجامعية هي مؤسسات عمومية وتسير بالضرائب التي يؤديها هؤلاء المغاربة، كما أن الباحثين الجامعيين يعتبرون من خيرة المفكرين لهذا المغرب العريق. فإذا لم يستفد المغاربة من أفكار هؤلاء العباقرة ومن نتائج أبحاثهم ومقالاتهم العلمية، فلا معنا لهذه المؤسسات الجامعية العمومية ولا معنى لهذه المقالات العلمية التي تنشر في المجلات المعترف بها دوليا لكنها لا تفيد المغرب والمغاربة في شيء.
لهذا وجب التفكير في الوسائل والآليات لجعل البحث العلمي يصب في حل مشاكل المغاربة سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية وغيرها، كما يجب أن يكون الهدف الأسمى للبحث العلمي هو الإبداع في إيجاد حلول لمشاكل الفقر وإرساء تنمية مستدامة والبحث عن الموارد واستغلال الطبيعة والتراث وجعلها موارد مادية تفيد البلاد والعباد.
في إحدى الملتقيات برئاسة جامعة عبد المالك السعدي التي حضرها وزير التعليم العالي حيث قال فيما يخص التكوينات المفضية إلى الإدماج في سوق الشغل: “إننا في ورطة ولم نستطع حل هذه الاشكالية”. فإذا كان الوزير نفسه يقول هذا الكلام فما بال العمداء ورؤساء الجامعات ورؤساء الشعب وغيرهم. بهذا تكون الجامعة المغربية قد عطلت هدفا من أهم أهدافها ألا وهو إدماج الطلبة في سوق الشغل. والغريب في هذا اللقاء هو أنه لم يفتح نقاش حتى يستمع الوزير إلى بعض الأساتذة لينيروا له الطريق ويتكلموا عن تجربتهم الغنية والتي لا تجد صدورا رحبة للاستماع لها ولكن مع كل أسف نجد الدول الأوروبية والأمريكية تصغى إليها جيدا وتستدعي هؤلاء الأساتذة المغاربة الذين لهم تجربة عريضة في ميدان التكوينات المدمجة في سوق الشغل ليقدموا محاضرات في جامعاتهم ليستفيدوا طلبتهم من هذه التجربة الثمينة كما يولونهم عناية خاصة. أما المسؤولون عندنا فقد ضاقوا بهم درعا.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...