هل ستسعى مصر لخفض التوتر بين المغرب والجزائر؟

 

فيما تستعيد العلاقات المصرية المغربية شيئا من حرارتها ودفئها تمر العلاقات المصرية الجزائرية، وعلى الضد منها تماما بمرحلة من الفتور والبرود. والسؤال الذي يطرحه ذلك هو، هل أن التباين في العلاقة بالدولتين يفقد المصريين، إن هم تطلعوا للقيام بمساع للم شمل الجارتين المغاربيتين، حظوظا للنجاح في ما أخفق فيه غيرهم، أي جمع المغاربة والجزائريين معا إلى طاولة الحوار حول القضايا والملفات الخلافية، التي لطالما فرقتهم وأدخلتهم، خصوصا في الشهور الأخيرة في صراعات حادة وخطيرة، كانت تنبئ في كل مرة بهز الاستقرار الإقليمي بكامله؟ أم أنه يجعلهم وعلى العكس مؤهلين وقادرين على القيام بتلك المهمة الصعبة على أكمل وجه؟
رسميا كان الهدف المعلن من زيارة وزير الخارجية المصري الاثنين الماضي إلى المغرب، هو البحث مع المسؤولين هناك عن «سبل مواصلة الارتقاء بالعلاقات الثنائية بين القاهرة والرباط في مختلف المجالات، لاسيما الاقتصادية والتجارية على نحو يلبي مصالح البلدين وتطلعات شعبيهما نحو مزيد من الازدهار والنماء»، وأن يناقش معهم «مجمل التطورات على الساحة الدولية والتشاور حيال القضايا الإقليمية والعربية، في إطار تنسيق الجهود وتبادل الرؤى لحماية مقدرات الأمن القومي العربي، فضلا عن الدفع قدما بتغليب الحلول السياسية لقضايا المنطقة وترسيخ ركائز الأمن والاستقرار فيها» حسب ما أكده المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية.
لكن بعيدا عن الألفاظ والعبارات الدبلوماسية المنمقة والرنانة، هل كان بإمكان أي أحد أن يتخيل أن السبب الذي دفع سامح شكري للذهاب في هذا الظرف بالذات إلى الرباط، وبعد أكثر من سبع سنوات على آخر زيارة قام بها وزير خارجية مصري إلى المغرب، هو إجراء مباحثات روتينية مع نظيره المغربي؟ ربما لا يبدو واضحا بدقة ما الذي طرحه المسؤول المصري البارز، أو عرضه على المغاربة بالتحديد في علاقة بملف الخلافات الحادة بينهم وبين جيرانهم في الجزائر، غير أن تلك الخلافات كانت وبلا شك محورا أساسيا من محاور الزيارة والنقطة الأبرز والأهم في جدول أعمالها، ولم يتم التعرض لها بشكل عرضي أو عابر. ويبدو أنه من المبكر جدا في هذه المرحلة على الأقل أن نتوقع عرضا ما قد قدم، أو أن هناك مبادرة أو مشروعا مصريا محدد المعالم ومتكامل الأركان للوساطة بين الجارين المغاربيين. كما أنه من غير الوارد أيضا أن نتصور بالمقابل أن الجزء الأكبر من تلك الزيارة القصيرة، لم يخصص لتبادل وجهات النظر والتباحث بشأن النزاع المغربي الجزائري، الذي يقف الآن على الأقل حجر عثرة أمام انعقاد القمة العربية، التي تقرر عقدها مطلع أكتوبر المقبل في العاصمة الجزائرية.

هاجس البحث عن تسوية ولو محدودة، أو عن اتفاق ظرفي أو جزئي بين المغاربة والجزائريين يمكن أن يشغل المصريين في هذه الفترة، لأن تحقيقها هو ما سيسمح عمليا وواقعيا في النهاية بعقد تلك القمة المؤجلة ضمن الحد الأدنى من الشروط والظروف المطلوبة لإنجاحها، لكن ما الذي ستفعله القاهرة وهي تعلم جيدا أنها ستصطدم برفض طرف من الطرفين، وبوجود نوع من الصد أو الاستعصاء، لا في إقناع المغاربة بفتح الباب أمام أي صيغة، أو شكل من أشكال الحوار مع جيرانهم، بل في دفع الجزائريين لإشراع ذلك الباب أمام أي تفاهمات أو اتفاقات مطلوبة معهم؟ إن التداخل والتشابك بين مختلف الملفات والقضايا الإقليمية يبدو واسعا وكبيرا إلى درجة لا تجعلها تنظر للخلافات الجزائرية المغربية بشكل مجرد وبمعزل عن الدور الذي يلعبه البلدان في المنطقة. فبقدر ما تشعر الجزائر التي ارتبطت مع مصر بعلاقات وثيقة منذ فترة الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، بالقلق مما قد تعتبره انخراطا مصريا متزايدا وغير مقبول في شؤون الشمال الافريقي، خصوصا في جارتيها ليبيا وتونس، فإن المصريين باتوا كذلك لا ينظرون بارتياح كبير للمحاولات الجزائرية لتحجيم دورهم والحد من نفوذهم، خصوصا في المنطقة المغاربية. لقد ألقى السفير المصري الجديد في الرباط حجرا ثقيلا في بركة ما كان ينظر له على انه نوع من التحالف الموضوعي بين العاصمتين الجزائرية والمصرية، حين قال لموقع «هيسبريس» الإخباري المغربي في يناير الماضي إن «القاهرة تدعم بقوة الوحدة الترابية للمملكة المغربية»، وإنها «لا تعترف بالجمهورية الصحراوية – التي أعلنتها جبهة

البوليساريو من جانب واحد – ولا تقيم أي علاقات معها»، وإنها أي مصر «كانت قد شاركت في المؤتمر الدولي الذي نظمته المملكة المغربية والولايات المتحدة لدعم خطة الحكم الذاتي للصحراء في يناير 2021». وكانت تلك التصريحات بالتأكيد أقوى تعبير من جانب مصر عن رغبتها القطع مع بعض المواقف التي أعلنتها من قبل في علاقة بتطورات الملف الصحراوي، التي لم تعتبرها الرباط ودية أو مقبولة، وكان آخرها البيان الذي أصدرته السلطات المصرية في نوفمبر 2020 تعليقا على أحداث منطقة الكركرات القريبة من الحدود الموريتانية، والذي لم يتضمن عكس ما فعلت عدة دول عربية تأييدا واضحا وصريحا للعملية المغربية لإعادة فتح الحركة التجارية هناك بعد توقفها بفعل قيام عناصر من البوليساريو بقطع الطريق الحيوي الرابط بين المغرب وموريتانيا، ودعا «الأطراف إلى ضبط النفس واحترام قرارات مجلس الأمن، بما تشمله من وقف لإطلاق النار والامتناع عن أي أعمال استفزازية، وأي أعمال من شأنها الإضرار بالمصالح الاقتصادية والتبادل التجاري في المنطقة» حسب ما جاء في نص ذلك البيان. لكن الجزائر التي لم تعلق رسميا على تصريحات السفير المصري في المغرب، وضعت حولها ومن دون شك أكثر من علامة استفهام، واستقبلتها بكثير من التشكيك في حقيقة النوايا المصرية والدور الذي ترغب القاهرة القيام به في النزاع الصحراوي، خصوصا أنها أي تلك التصريحات تزامنت في ذلك الوقت مع زيارة رسمية كان يقوم بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى العاصمة المصرية. ولا شك بأن وزن مصر الإقليمي والتقاطع بين كثير من توجهاتها والرؤى والمواقف الخليجية خصوصا من بعض قضايا المنطقة، يعطي قوة دفع إضافية للمصريين للتعامل مع الملفات التي تتعارض أو تتصادم فيها مصالحهم مع المصالح الجزائرية بشكل واضح، مثلما هو الحال في الملف الليبي وحتى التونسي.
وما يدركه الجزائريون جيدا هو أن أي تحول جذري في الموقف المصري من بعض المسائل التي تكتسي أهمية في الجارتين المغاربيتين مثل، المسألة الصحراوية لن تكون آثاره محدودة على الصعيدين العربي والقاري. يبقى هل أن ذلك سيدفعهم للتمسك أكثر بمواقفهم؟ أم أنه سيفتح ثغرة في جدار رفضهم لأي وساطة مع المغرب؟ المؤكد في الحالتين أنه يبدو من الصعب جدا أن نعرف الآن ما الذي يريده المصريون بالضبط، وهل انهم يرغبون حقا بأن يكون لهم دور ما في تقريب وجهات النظر المغربية الجزائرية؟ أم أنهم يلعبون فقط على حبل الخلافات المزمنة بين الجارتين لغايات تكتيكية أو ظرفية؟ ولعل التطورات التي ستحصل من هنا إلى موعد القمة العربية هي من ستجيب عن ذلك.
كاتب وصحافي من

 

ن الصد أو الاستعصاء، لا في إقناع المغاربة بفتح الباب أمام أي

فيما تستعيد العلاقات المصرية المغربية شيئا من حرارتها ودفئها تمر العلاقات المصرية الجزائرية، وعلى الضد منها تماما بمرحلة من الفتور والبرود. والسؤال الذي يطرحه ذلك هو، هل أن التباين في العلاقة بالدولتين يفقد المصريين، إن هم تطلعوا للقيام بمساع للم شمل الجارتين المغاربيتين، حظوظا للنجاح في ما أخفق فيه غيرهم، أي جمع المغاربة والجزائريين معا إلى طاولة الحوار حول القضايا والملفات الخلافية، التي لطالما فرقتهم وأدخلتهم، خصوصا في الشهور الأخيرة في صراعات حادة وخطيرة، كانت تنبئ في كل مرة بهز الاستقرار الإقليمي بكامله؟ أم أنه يجعلهم وعلى العكس مؤهلين وقادرين على القيام بتلك المهمة الصعبة على أكمل وجه؟
رسميا كان الهدف المعلن من زيارة وزير الخارجية المصري الاثنين الماضي إلى المغرب، هو البحث مع المسؤولين هناك عن «سبل مواصلة الارتقاء بالعلاقات الثنائية بين القاهرة والرباط في مختلف المجالات، لاسيما الاقتصادية والتجارية على نحو يلبي مصالح البلدين وتطلعات شعبيهما نحو مزيد من الازدهار والنماء»، وأن يناقش معهم «مجمل التطورات على الساحة الدولية والتشاور حيال القضايا الإقليمية والعربية، في إطار تنسيق الجهود وتبادل الرؤى لحماية مقدرات الأمن القومي العربي، فضلا عن الدفع قدما بتغليب الحلول السياسية لقضايا المنطقة وترسيخ ركائز الأمن والاستقرار فيها» حسب ما أكده المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية.
لكن بعيدا عن الألفاظ والعبارات الدبلوماسية المنمقة والرنانة، هل كان بإمكان أي أحد أن يتخيل أن السبب الذي دفع سامح شكري للذهاب في هذا الظرف بالذات إلى الرباط، وبعد أكثر من سبع سنوات على آخر زيارة قام بها وزير خارجية مصري إلى المغرب، هو إجراء مباحثات روتينية مع نظيره المغربي؟ ربما لا يبدو واضحا بدقة ما الذي طرحه المسؤول المصري البارز، أو عرضه على المغاربة بالتحديد في علاقة بملف الخلافات الحادة بينهم وبين جيرانهم في الجزائر، غير أن تلك الخلافات كانت وبلا شك محورا أساسيا من محاور الزيارة والنقطة الأبرز والأهم في جدول أعمالها، ولم يتم التعرض لها بشكل عرضي أو عابر. ويبدو أنه من المبكر جدا في هذه المرحلة على الأقل أن نتوقع عرضا ما قد قدم، أو أن هناك مبادرة أو مشروعا مصريا محدد المعالم ومتكامل الأركان للوساطة بين الجارين المغاربيين. كما أنه من غير الوارد أيضا أن نتصور بالمقابل أن الجزء الأكبر من تلك الزيارة القصيرة، لم يخصص لتبادل وجهات النظر والتباحث بشأن النزاع المغربي الجزائري، الذي يقف الآن على الأقل حجر عثرة أمام انعقاد القمة العربية، التي تقرر عقدها مطلع أكتوبر المقبل في العاصمة الجزائرية.

القدس العربي

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...